الشيخ محمد رشيد رضا
578
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الضعف والخذلان والهلاك كاليأس من روح اللّه والتخاذل والتنازع والفساد في الأرض والظلم والفسق ، ويتلبسون بضدها وبسائر ما تقوى به الأمم من الاخلاق والاعمال ، وأعلاها الاستعانة باللّه الذي بيده ملكوت كل شيء والصبر على المكاره مهما عظمت ، وهذان الأمران هما أعظم ما تتفاضل به الأمم من القوى المعنوية باتفاق الملاحدة والمليين من علماء الاجتماع وقواد الحروب وقد تكررت هذه القاعدة في القرآن الحكيم وفي معناها قوله تعالى من سورة الأنبياء [ 21 : 105 وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ ] وانما الصالحون هم الذين يصلحون لإقامة الحق والعدل وسائر شرائع اللّه وسننه في العمران ، وهي بمعنى ما يسميه علماء الاجتماع « بقاء الأصلح أو الأمثل في كل تنازع » ويدل عليه المثل المشهور في سورة الرعد [ 13 : 17 أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً - إلى قوله - فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً ، وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ] ومن العجيب أن ترى بعض الشعوب الاسلامية المستضعفة في هذا العصر بسيادة الأجانب عليها يائسة من استقلالها وعزتها بل من حياتها الملية والقومية بما ترى من خفة موازينها ورجحان موازين السائدين عليها في القوى المادية والآلية واستذلال هؤلاء السائدين عليها لها ، جهلا منها بسنة اللّه تعالى التي بينها في هذه الآية وغفلتها عن كون رجحان قوى فرعون وقومه على بني إسرائيل وقهره لهم كانا فوق رجحان قوى سائديها عليها وقهرهم إياها ، وفي هذا العصر من العبر التاريخية بسقوط بعض الدول القوية مالا يقل عن العبرة بأحداث التاريخ القديم ثم بين لنا تعالى في الآية التالية لتلك الآية [ 129 ] أن موسى عليه السّلام شكا له قومه إيذاء فرعون وقومه لهم قبل مجيئه وبعده على سواء فذكر لهم ما عنده من الرجاء باهلاك ربهم لعدوهم واستخلافهم في الأرض الموعودين بها ليختبرهم فينظر كيف يعملون ، ويكون ثبات ملكهم وسلطانهم على حسب عملهم الذي تصلح به الأرض وأهلها أو تفسد . وهو ما فصله تعالى لنا بعد ذلك في آيات أخرى منها في إفسادهم قوله تعالى [ 17 : 4 وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ ] إلى تتمة الآية الثامنة